محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
739
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ . شحّت بها نفوس قوم وسخت بها نفوس آخرين 50 القصّة ذات القصّة ، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضرّاء ، غيّر النسق من الفعل إلى الاسم ، وغيّر الإعراب من الرفع إلى النصب ؛ إذ تغيّر المعنى من أعمال البدن إلى أعمال النفس ، وكان الإيمان باللّه واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيّين من تكاليف العقل خاصّة ، والوفاء بالعهود والصبر في البأساء والضرّاء من تكاليف النفس خاصّة ، وإنفاق المال على الفقراء والصلاة والزكاة من تكاليف البدن بشركة العقل والنفس . ثمّ الوفاء بالعهد بتعلّق بأهل الدين وقد يتعلق بفروعه من عهود تجري بين المؤمنين ، ومن ذلك الجهاد في سبيل اللّه ، فإنّ المؤمنين قد عاهدوا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - على ذلك وفيهم نزل : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ؛ وأمّا الصبر في البأساء والضرّاء فمن كبار الأخلاق ، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، والصبر ( 303 آ ) أمير جنود الأخلاق ، وأجر الصابرين بغير حساب . اللّهمّ ! نسألك الصبر على طاعتك والصبر عن معصيتك ، وما من عمل من الأعمال إلّا والصبر فيه محمود العاقبة ، ويتضمّن ذلك الصيام والصمت عن الخنا والفحش ؛ فهذه الخصال العشر هي البرّ والتقوى . وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « فوق كلّ برّ برّ حتّى يقتل الرجل في سبيل اللّه . » 51 ثمّ لما كان مبنى الدين على أمرين أحدهما الصدق والثاني الطهارة ختم الآية بالأمرين : أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ والتقوى من باب التطهير . هذه صفات الأبرار والعالم لم يخل قطّ عن الأبرار كما لم يخل عن الأشرار ، وقد أمرنا بالتوقّي والكون مع الصادقين : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ فلو لم يكن في المكلّفين من يقدر على التقوى لما أمروا بالتقوى ، ولو لم يكن في العالم صادقون ما أمرنا بالكون مع الصادقين ؛ فإنّ التكليفين تكليف المستطاع لا تكليف ما لا يطاق .